الشريط الإخباري
محمد القائد و القدوة  أكثر من خمسة آلاف مقبرة جماعية في البوسنة والهرسك  نبينا نبي الرحمة  الحريري: إقامتي في السعودية للتشاور حول مستقبل لبنان  فيتو روسي للمرة العاشرة بشأن كيماوي سوريا  عملية دهس وطعن قرب مستوطنة «غوش عتصيون»  78 ألف موقع أثري في المملكة بلا حراسة  إقامة صلاة استسقاء في كافة مساجد المملكة  الشهوان: تـوجـه لإصــدار جــوازات سـفـر إلكتـرونيــة  تراجع تصدير ثمار الزيتون للخارج  فاخوري: تمويل خطة الاستجابة الإقليمية للأزمة السورية لم يتجاوز 39%  اتفاقية تعاون بين الأردن وسويسرا في مجال إدارة المياه  البطريرك ثيوفيلوس يشيد بدعم الملك لمسـيحيـي الأراضـي المقدسـة والشـرق  منتخب النشامى يعود من كمبوديا واللاعبون يلتحقون بأنديتهم  2741 طن خضار وفواكه وردت للسوق أمس  هل تهجير الناس وقتل الأبرياء حلال ؟!  الحياة على المريخ ... حقيقة أم وهم ؟؟؟!!!  تهجير الناس وقتلهم هل هو حلال أيها الدواعش المجسمة ؟؟؟  المجسمة المارقة الدواعش .. يعتدون على ذات الله بتجسيمهم ..  نبي الرحمة يجمعنا ورموز التكفير تفرقنا 
طباعة مع التعليقات
طباعة بدون تعليقات
التاريخ : 2017-10-23
الوقت :

يونس يكتب :قاعدة الهرم الاجتماعي هي أقوى عناصره

قاعدة الهرم الاجتماعي هي أقوى عناصره
م.حاتم يونس
يُولد المرءُ فيستقبله مُجتمعه وُفق نظامه وينتظر منه ما ينتظر. ويَمُرُ المرءُ بتجارب الحياة التي لا مفر منها، بما فيها من قبح وجمال. ولكن لكلٍ حظه. فيُولد هذا غنياً وذاك فقيراً، ويُولد هذا في صحة جيدة بينمايُولد ذاك على حالٍ يصعب معها التمتع بما يتمتع به غيره من الخيرات ذاتها. ويأتي الإنسان إلى عالم يفرض عليه الكثير حسب مكانه وزمانه. ويبقى المجتمع غاضضاً بصره عن تلك الفروقات وكأنها لا وجود لها ولا أثر لها على البشر.ولا يصعب،في أغلب الأحيان، التنبؤ بمستقبل طفل أو رضيع. فثمة ما نسميه "الظروف" ولكن تلك "الظروف" ليست سوى نتاج الحتميات التي تفرض نفسها علينا وعلى مُقَدَّراتنا، وما أكثرها وما أعمق أثرها.

تتحكم الحتميات الاجتماعية في حياة أغلب الناس وتجعلها صعبة أو يسرة، كلٌ حسب حظه. فتُشَكِّل الحتميات الاجتماعية والاقتصادية التي تفرض نفسها على المواطن في وطنه حتميات أخرى سياسية وتاريخية وثقافية وجغرافية وديموغرافية تفرض نفسها على الوطن ذاته. فمستقبل مواطن بريطاني يُولد لأسرة ثرية أيسر كثيراً، ومن ثم ربما يكون أبهر كثيراً، من مستقبل مواطن نيجيري يُولد لأسرة فقيرة. ولا يمكن أن يَتَبَدَّلَ هذا الوضع الظالم المُظلِم سوى بتحقيق منتهى العدالة الاجتماعية والمساواة بين الجميع. وهذا هوالدور الأول للمجتمع قبل أي واجب آخر من واجباته تجاه الفرد، فدونه لا جدوى لأيٍّ من مجهوداته على أي صعيدٍ كان. بيد أن أغلب المجتمعات البشرية، إن لم يكن جميعها، لا يُؤرق نفسه كثيراً بالعمل على تحدي الحتميات، بل هو يتناساها ويتغاضى حتى عن الاعترافبوجودها اعترافاً حقيقياً وفَعَّالاً. فتجد المجتمع يُمَجِّد نجاح من كان نجاحه حتمياً وسهلاً،بينما لا يرى لنفسه ذنباً في إخفاق أو غم من كان إخفاقه أو غمه حتمياً أيضاً. ويروح يتعامل مع البيك والباشا والسيد والدوق على نحو مُغاير للنحو الذي يتعامل به مع من كان حظه أن يرى الوجود من القاع. لذا ليس من الغريب أن نستخدم مصطلحاً كمصطلح "السُلَّم الاجتماعي" أو مصطلح "الهرم الاجتماعي". ويعكس مصطلحانكهذين مدى قبول البشر لما يجدر بهم أن يرفضوا من ظلم واختلال لموازين علاقاتهم ببعضهم البعض. لكن الواقع وُجِدَ ليتغير.

تناول الكاتب الروسي فيودوردوستويفسكيهذا الوضع الغريب في كتابه "رسائل من أعماق الأرض". ويقص علينا فيما يقص بطل الكتاب الذي لا اسم له، وفي ذلك معنى بليغ، قصة انتقامه من ضابط كان قد أهانه. وتدور أحداث الكتاب في مدينة سانت بطرسبرغ الروسية فيالنصف الثاني من القرن التاسع عشر. كان بطل الرواية واقفاً أمام طاولة بلياردو، وكان، في غفلة منه، يحول دون مرور الآخرين. وأراد ضابط أن يمر، فوضع يديه على كتفيه ونحَّاه جانباًغير ناطقٍبكلمة واحدة، وكأنه حرك شيئاً لا بشراً. فشعر رجلنا ببالغ الضيق وبشديد المهانة، قائلاً إن الضابط تعامل معه على اعتباره ذبابة لا إنساناً. وكان موقعه المتواضع على الهرم الاجتماعي، بطبيعة الحال، هو ما سمح للضابط بأن يقوم بمثل هذا التصرف.

أراد صاحبنا الانتقام لنفسه ولكرامته، ووجد لذلك سبيلاً عندما تأمل النظام الاجتماعي المُتَّبَع بين الناس عند سيرهم في شارع نيفسكي، حيث كان الأدنى رتبة بين الضباط، ومنهم الضابط الذي أهانه، يفسح الطريق لمن هم أعلى رتبة منه دون أن يُشكَر حتى على ذلك، وكأنها عملية ميكانيكية؛وكان النظام ذاته مُتَّبَعَاً بين المدنيين، فكان هو يُفسح الطريق لأغلب المارة، بحكم ما يفرضه هذا النظام على أبناء طبقته الاجتماعية، وبخاصة من هم على مظهره، من انصياع وطاعة وامتثال لا يُعرَف لها سبب عقلاني. وعندما كان الرجلان يلقى كل منهما الآخر في طريقه، كان الضابط يمضي سائراً وكأنه قطار لا شيء أمامه، دون أن يلحظ حتى أنه رأى صاحبنا من قبل، فكان الأخير يفسح له الطريق على مضد وبحنق مكبوت.

ولكن صاحبنا فهم هذا النظام جيداً واستوعبه وخطط لاستغلاله في انتقامه، حيث لاحظ الضابط وهو يُفسح الطريق لهذا ولذاك من علية القوم وأصحاب الرتب الأعلى. فاقترض بعضاً من المال وأنفقه على ملبس يوحي بأنه من أبناء الطبقات العُليا، وخطط للمرور أمامه وهو على مظهر يقلب موازين علاقتهما. وبعد محاولات فشلت بسبب عدم تخطيه الحاجز النفسي القائم بينه وبين إدراكه وجدانياً تساويه والضابط في واقع الأمر تساوياً تاماً، نجح في ألا يهتز عند رؤيته وأن يمضي في طريقه بينما مضي غريمه أيضاً في طريقه فاصطدم كتف كل منهما بكتف الآخر، ولم يهتز صاحبنا، بل شعر بأن الضابط هو الذي اهتز نفسياً، في حين استرد هو كرامته لأنه فرض احترامه على رجل أهانها بما يحمل كثيراً من المعاني.

كان يعيش بطل هذه القصة في زمن ومكان تحكمهما حتميات تأخذ، كل لحظة وبطرق شتى، من مساحة إرادته وما يمكنه أن يحقق مستعيناً بها، وكان مجتمعه لذلك متقبلاً، غير مبالٍ بحقوقه عليه كفرد. وكان ذلك وضع كثير من الناس في كثير من بلدان العالم. وليس وضع البشر اليوم يختلف عن هذا الوضع حق اختلاف. فدروس التاريخ لا يتعلمها كثير من الناس، ويتجنبها بالأخص المستفيدون من الوضع القائم في مجتمعهم، محافظين عليه رغم ظلمه. ولكن الأكثر خطورة على طبقات مظلومة تلقى معاملة الذباب هو أن تقبل هي بهذه المعاملة، وألا تشرع إلى تغييرها. فليس أقوى في أي هرم من قاعدته إن استمد أهلها طاقة الساعين إلى استرداد كرامتهم.
   
الإسم
البريد الإلكتروني
نص التعليق