التاريخ : 2017-12-23
الوقت : 02:05 pm

« ما أغلى من الولد إلا ولد الولد»

الديوان- مقولة شعبية متداولة دائماً « ما أغلى من الولد إلا ولد الولد « امتداداً لتاريخ أجدادنا حتى اليوم، هناك علاقة قوية ومتينة بين الاجداد والأحفاد، ولهم دور كبير تربوي وانساني وهما من أكثر الشخصيات المؤثرة في حياة الطفل وصياغة شخصيته.
وتشهد الأغاني التي غُنيت لهم مثل فيروز في ( ستي يا ستي اشتقتلك يا ستي، علّي صوتك، صوتك بعيد، جايي من الكرم جايي من التفاح، صوتك حامل شمس وفيي لون التين والزيتون، ايه وريحة الطيّون يا ستي)، وعُرفا بالحنان والعاطفة اتجاه أحفادهما، والكثير من الابناء ينادون الجدة بالأم، والأجداد يحاولون دائماً تلبية طلبات أحفادهم حتى أحياناً يقدمون لهم ما يتم منعه من قبل الأب والأم، فيسعدون عندما يجتمعون في بيت الجد الكبير الذي يلعبون ويمرحون فيه، ويبهجون قلوب أجدادهم عندما يزورنهم خاصة، الكبار بالسن والذين وصلوا سن التقاعد، فالاستمرارية بالحديث معهم يدفع الجد والجدة إلى حبهم أكثر ومنحهم المزيد من الحب والحنان والذي يقرب الأحفاد ويصبح بيتهما الكبير ملاذاً لهم يجدون فيه حاجاتهم التي يمنعهم عنها أباؤهم وأمهاتم ويسعدون مع أجدادهم هرباً من السطوة والقوانين التي يفرضها الأب والأم.
لكن في زمننا هذا وتغير الأجيال حتى بكيفية تربية أمهات اليوم لأبنائهم، حيث نرى اتهامات في التدخل بتربية الأبناء، زوجات وأمهات يضعون اللوم على الأجداد بكثرة تدليل الأحفاد وهذا ما يعكر سير التربية الحديثة، والأجداد يتهمون الأمهات والأباء بفرض القوانين الصارمة على الأحفاد بأجواء تسودها العصبية والمنع من فعل ما يحبونه الاحفاد، والأحفاد في وسط المعركة حائرون هل يبكون في أحضان أجدادهم أم يطيعون أمهاتهم دون اللجوء للجدة ؟؟.
بعض الأمهات يشكون من أن أمهاتهم وحماواتهم حين يتدخلن في تربية الابناء وهذا التدخل المنبثق من حب الجد والجدة الشديد للحفيد وفرض الدلال الزائد يؤدي إلى إضعاف سلطة الأب والأم ويُكسر قوانينهما، وفي المقابل فإن الاجداد أيضاَ ينتقدون الأب والأم في تربية الأبناء.

البعض يشتكي من أنّ الجدة تتدخل بسبب حبّها للأحفاد فتتسبب في دلالها الزائد لهم أو في كسر بعض القوانين التي يسنّها الأبوان، وفي المقابل فإنّ الجدة أيضاً تنتقد أسلوب الوالدين في تربية أحفادها.
تقول رشا عبد الخالق : « يمتلك الاجداد الخبرة الحياتية والتجارب التي تساوي عمرهم، ويحبون دوماً ان ينقلوا خبراتهم إلى الأحفاد بأسلوب جميل ومقنع، حيث تجد الجد يحب أن يحدث حفيده الشاب ويعلمه بأصول التعامل مع الحياة، وبمرور الوقت يتأثر الحفيد الشاب ويجد جده هو الصديق العقلاني، وايضا يقنع حفيده بفعل السلوك السليم وامتصاص غضبه بالاستعانة بخبراته الطويلة وهذا ما يمكن الحفيد من تجاوز الصعوبات دون التوجه إلى الأبوين اللذين لا يمكنهما تماسك أعصابهما ويلجآن الى العقاب والسخط والغضب».
وأضافت : « لا أحد يستطيع أن ينكر أن الجد والجدة هما مصدر الحب والحنان، وهما بمثابة الوالد والوالدة؛ لكن ما يعكر العلاقة إذا كان أحد الابوين يرفض هذه العلاقة المتينة وخصوصاً عندما نعلم الطفل أن حب أهل الام أفضل من أهل الأب والعكس، على الآباء أن لا يميزوا بين أم الأب وأم الأم، وأن لا يمنعوا أبناءهم من محبة الجد والجدة فهما الطريق المضيء، ونحن الآن في زمن التكنولوجيا والتي أثرت على العلاقات الاجتماعية وباعدت بين الابناء داخل المنزل الواحد فما بالك الأجداد والأقارب « صفات.
تقول الخمسينية فاطمة نبيل : « أبنائي تربوا وسط الجد والجدة، ولم أمنع ذلك ولا أتدخل، بالعكس إنني أحب علاقتهم، وفي بعض الأحيان أجد أبنائي يتأثرون كثيراً بصفات جدتهم وجدهم وبكيفية طُرق التعامل التي يتسمان بها، غير أن جدهم وجدتهم يُعتبران بالنسبة لهم الحنان والحب ويصفون منزل جدهم الكبير بأنه المنقذ الوحيد من عقابهم حين يرتكبون الخطأ، ويستمدون منهما الأخلاق الحميدة، وقلبي مطمئن أنا وزجي بأن من هذا البيت الكبير الذي يحمل بطياته الشموخ يعلم أبنائي العطاء، في زمن باعد بين الجد وحفيده بسبب مشاغل الحياة وزحمتها التي لا تنتهي».
تغير الزمن
تقول الجدة السبعينية سميرة حسين : « المثل يقول « ما أعز من الولد إلا ولد الولد «، ومثل ما فرحنا بتربية أبنائنا وتعبنا معهم وسهرنا الليالي، والحمد لله كبروا ودرسوا وتزوجوا، كنت وأنا طفلة أسمع والدتي تدعي الله وتقول « الله يخلي البيت يلي بيطلع بيت»، وعندما صفيتُ أنا وزوجي وحدنا عرفتُ ماذا تعني هذه الدعوة، وبوجود الأحفاد لا نشيخُ أبداُ، لكن أمهات اليوم لا يحببن أن تتدخل الجدات في تربية الأبناء أبداً، وعلينا أن نحدثهم عن الماضي الجميل، لكن لكل جد وجدة كل الحق في تربيتهم، وحرام عليهم أن يحرموننا المشاركة في تربيتهم ونصحهم، وللأسف تجد بعض الاباء يضربون الأحفاد أمامنا ونمنع أن نحرك ساكنا خوفاً من أن تحصل مشكلة بين الزوج والزوجة، فنحن لنا خبرة طويلة في التربية وعلى زمننا كانا أبي وأمي يعطيان جدتي وجدي كامل الصلاحية في تربيتنا وكنا ننتظر العطلة لنقضيها في بيت جدي، اليوم عندما يأتي الحفيد تجحره والدته بأن لا ينام ولا يتعود على ذلك، تدخلنا في الأحفاد ليس كما يظن الآباء والأمهات فنحن نسمعهم ونصحح الاخطاء دون إهانة».
في بيت جدي
يقول محمد عبدالكريم الزيود (ناشط ثقافي) : « أذكرها جيداً في حوش بيت جدي، كانت أغصانها تملأ السماء، وكنا نأكل مشمشها أخضراً، كنا أطفالا نسبق العصافير إليها، يأتي صوت جدي وينهرنا فنهرب إلى شجرة البلوط الكبيرة، نلعب تحت سيقانها، ونعلق أرجوحتنا في فروعها الغليظة، وكم جمعنا بلوطها لنلعب به.
كان بيت جدي واسعاً مثل بيدره، دافئاً كصوف «فروته»، لم أفتح عيني يوماً في الصباح إلا وجدته جالساً أمام المنقل، ودلال القهوة على النار، ربما تغلي منذ الفجر، لم يضق بي أو أحد من أحفاده، بل كانت تدمع عيناه كلما رآنا، وحدثنا كيف ربى يتيماً. كان الضيوف وأصحاب الحاجات وبعض المرضى يسألون في «المسرة « عن بيت «حسين المطر الفقير «، وكم تزاحموا عند بابه في ليالي الجمعة، ليقرأ لهم القرآن على ماء أو زيت، وعادوا بفضل من الله وقد شفيت أوجاعهم. كان يحدثني وكنت طفلاً وأنصت له بخشوع، عن السلطان عبدالقادر الجيلاني، وعن الأقطاب الأربعة، وشعر الزيودي «زناد البلقا»، والهيات مع العدوان وبني صخر، وقصص فروسية « حسين القلاب « وكرم وطيب «تمر الغويري»، وشجاعة «عبدالرزاق الراش «، كان يسترسل بالحديث وأصابعه على مسبحته ولسانه يلهج بذكر الله.
كان الناس في ضيق ولكن كانوا راضين بما قسم الله، يزرعون الموارس عفيراً، ويرتجون كرم الله الكبير، وكم غل الحصاد بدعوة بالغيب، وحتى في السنوات العجاف لم ينسوا حق الناس أصحاب الحاجات، ولم يغلقوا بابهم دون طارق».
وأضاف : « كانوا يتشاجرون في الصباح على زرع أو على حراثة، وفي المساء يتسامرون مع بعضهم، ويتسابقون من يدعو الآخر على صحن «هيطلية» أو «رشوف»، في بيت جدي حكايات وفروسية وطيب وتقوى، وتاريخ لا ينسى، تركا الدنيا ولكن ذكرهما ما زال حاضراً «.
 
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الديوان الإلكترونية © 2009 - 2012