الشريط الإخباري
الطفيلة: اغلاق الموسم السياحي بمخيم الرمانة بمحمية ضانا  ألمشاركون في مسيرة السلام يصلون إلى فوكوفار  5 وفيات بحادث سير على طريق شويعر  زخات خفيفة اليوم ومنخفض جوي الثلاثاء  محمد القائد و القدوة  أكثر من خمسة آلاف مقبرة جماعية في البوسنة والهرسك  نبينا نبي الرحمة  الحريري: إقامتي في السعودية للتشاور حول مستقبل لبنان  فيتو روسي للمرة العاشرة بشأن كيماوي سوريا  عملية دهس وطعن قرب مستوطنة «غوش عتصيون»  78 ألف موقع أثري في المملكة بلا حراسة  إقامة صلاة استسقاء في كافة مساجد المملكة  الشهوان: تـوجـه لإصــدار جــوازات سـفـر إلكتـرونيــة  تراجع تصدير ثمار الزيتون للخارج  فاخوري: تمويل خطة الاستجابة الإقليمية للأزمة السورية لم يتجاوز 39%  اتفاقية تعاون بين الأردن وسويسرا في مجال إدارة المياه  البطريرك ثيوفيلوس يشيد بدعم الملك لمسـيحيـي الأراضـي المقدسـة والشـرق  منتخب النشامى يعود من كمبوديا واللاعبون يلتحقون بأنديتهم  2741 طن خضار وفواكه وردت للسوق أمس  هل تهجير الناس وقتل الأبرياء حلال ؟! 
طباعة مع التعليقات
طباعة بدون تعليقات
التاريخ : 2017-09-08
الوقت : 11:30 am

هل نحن قادرون على الوصول لحالة انفصال -ولو مؤقتاً-عن التكنولوجيا ؟

الديوان- 


الهاتفُ الذكي صندوقٌ سحري يختزلُ عوالم براقة وجاذبة، وهو وسيلةٌ حيوية لتمضية الوقت، وسارقٌ محترف لخيوط الزمن من بين أصابعنا والتي تشكلُ نسيجَ الحياة، وقادر على الإيهام الذكي بأنه قريب منك يَفهمك ويُفهمك ويتفهمُ حاجاتك، ويقدر مشاعرك ويساعدك، ويفتح أمامك آفاق من المعرفة والقدرة على التواصل مع الآخرين،والنظر من شرفته على الحياة.
نجدُ في برامجه وتطبيقاته وسائلَ سهلة ومستسهلة للتواصل مع الآخرين بشكل مستمر دون معيقات، ففيه تجد ربات البيوت المنعزلات بشكل عام عن معايشة الخارج نافذةً للتواصل وتوسيع المدارك،وكسر جدار الزمن الفارغ االقائم بين روتين المنزل وواجبات العائلة وتشعبها ،وضيق الحيز المتاح للتواصل ،وفيه يجد كبار السن في المجتمعات المعاصرة تسلية عن حالة الإنعزال المجتمعي التي تفرضها عليهم الحالةُ الصحيةُ من عدم القدرة على الحركة والتنقل،وبحكم انشغال الأبناء والحفدة بمسؤوليات وبأعباء الحياة المعاصرة التي تزدادُ ثقلاً وتتضخم فيها متطلباتُ الحياة مقابل تقلص وانحسار الوقت وضيق مساحة التواصل الإجتماعي الفعلي،وتقلص الزيارات الصافية من حمى التكنولوجيا،وغلبة التواصل التكنولوجي الذي مهما بدا قريبا يظل بعيدًا ومصطنعًا .

لا شك بأنّ الهاتف الذكي بما يتيحه من تطبيقات وبرمجيات ذكي فعلا في تبرير الحاجة لوجوده بل وفي دفع مستخدمه لحالة من عدم القدرة على الإفتراق عنه وملازمته ،وذكي في اقتناص الفرص لزياة تعلق وارتباط أبناء الحياة المعاصرة على اختلاف ثقافاتهم وأعمارهم وميولهم وتوجهاتهم به، ولما كان التعلُّق بالشيء يشكل حاجة ملحة سواء أكان مادة أو عادة أو سلوكا لدرجة لا يمكن الاستغناء عنها أو التقليل منها أو التراجع والحد منها بيسر يمكن أن يسمى ادمانا؛ فهل وصل الكثيرين  منا الى إدمان الهواتف الذكية؟ وهل نحن مدركون لأعراضه وتبعاته وقادرون على تشخيص الحالة  وربما البحث عن العلاج؟ هل وصل الأمر لدرجة قرع جرس الخطر في مجتمعاتنا العربية المبلوة بأمراض وتداعيات الأوضاع المتقلقة ،والخلخلة في  المنظومة القيمية وتراجع الثقة بالهوية ....إلخ .

من الأكثر إدمانا على الهاتف ؟
     من أكثر ادمانا الرجال أم النساء اللواتي يقبعن في البيت لمدة أطول من الرجل  بحكم المعطيات الاجتماعية الراصدة لتحركات المرأة،وبحكم تشعُّب  المسؤوليات الملقاة على عاتقها وأهمّها رعاية الأطفال وطبيعتها الفسيولوجية المتقلبة، وربما لقلة التجربة الحياتية ومحدوديتها مقارنة بالرجل مما يشجعها لكشف عوالم مخبوءة بكبسة زر ؟!
لماذا يدمن الفرد على الهواتف الذكية؟ هل لتعدد البرمجيات التي يقدمها وسهولة ويسر التعامل معها والتواصل عبرها مع  العالم؟ ثمة من  بات يجد في منصات التواصل الاجتماعي واقعًا بديلاً عما يعيشه؛ يؤثثه بما يشاء من صور تشكّل التصور العام عن واقعه،ويرسم لنفسه الإطار الذي يبتغيه، ويستمع للآخرين ويستمتع بالتلصص على حيواتهم،ويشبع فضوله لا بل يجد ملاذًا فضفاضا بالحرية والتنقل والانتقائية بمنأى عن ثقل الواقع المعيش المكتظ بالمنغصات والمتطلبات، والمحاصر بالقلق الاجتماعي والأعباء الإقتصادية والهمّ السياسي في ظلّ الظروف الانتقالية والمقلقة التي تعيشها المنطقة العربية برمتها...فهل يجد البعض منا بعض ما يرضيه في واقعه الإفتراضي بعيدًا عن الكثير مما  لايرضيه في واقعه المفروض؟! إذن ثمة واقع مفروض وآخر افتراضي وبينهما يعيش بعضُ أبناء هذا العصر اللاهث بالتطور المتسارع حياةً مزدوجة بين عالمين يهرب من إحدهما للآخر ويغرق بمحض إرادته بمستنقع الإدمان.
أعراض الإدمان 
كيف لا يدمن هذا العالم الشاسع بلا مسافات حقيقية من يعيد رسم صورته وفق أحلامه  الوردية بعيدا عن قتامة الواقع؛فهو يمثلها ويعيشها حتى يكاد يصدقها مع جوقة مختارة من الأصدقاء «الطيبين» المهتمين والمتابعين  ممن يصفقون له، ولا يعنيهم  كثيرًا صدقه من كذبه، ويشاركونه من كل أنحاء العالم أفراحه وأتراحه ويقرؤون ما يكتب وما يبدع وما ينقل وما ينسخ ويلصق! فكيف يترك هذا العالم المنسوج وفق هواه، ويرجع مستسلمًا لعالم يحاصره ويدين تصرفاته وأقواله ،ويواجه فيه المشكلات الواقعية التي لا تجدي معها كبسة زر للخروج منها، ويقابل فيه شخصيات واقعية متباينة الأهواء وأحيانا تكون مفروضة في العمل أو العلاقات الإجتماعية بحكم القرابة أو النسب ولا تجدي معها تقنية «البلوك»؟!     تظهر أعراض  الإدمان من خلال الوقوع بحالة من التشتت والضياع عند الافتراق عن الصندوق السحري لنفاد الشحن أو التلف أو الضياع أو بحكم الموقف مثل حضور اجتماع أو محاضرة ....إلخ والإحساس بالانزعاج الشديد وعدم الحرج من الإفصاح عنه بهدف كسب التعاطف من المحيطين، والمدمن يتفقد هاتفه باستمرار وبلا ضرورة فعلية كما تتفقد الأم وليدها ؛فهو ينظر لشاشته ويتلمسه ويصطنع  تلقي أو انتظار مكالمة مع أنه صامت بلا رنين وبلا ارتجاج، فلو أُحصي معدل تفقد مدمني الهواتف هواتفهم ربما تصل لمئات المرات في اليوم الواحد.
 الممسك بهاتفه الخليوي لا يستطيع أحيانا إخفاء مدى السعادة التي يستشعرها فكأنه يجالس صديقا قريبا لا يجفو ولا يخون لا يمِل ولا يُمَل ! لكن الوقت المهدور في مجالسة هذا الصديق  غير الصدوق وعوالمه الافتراضية يهدر معه فرص تنمية العلاقات الاجتماعية الواقعية خصوصًا بين أفراد الأسرة الواحدة التي بات أفرادها قريبون وبعيدون في الوقت ذاته، والمجالس لهاتفه الخليوي يمتلئ بحس مخادع بالتواصل الإجتماعي الواسع، وبالنظر للحياة من نوافذ بلا عدد لكنه في الواقع يتحول تدريجيا لإنسان منعزل عن أهله،ومقصر في دراسته وواجباته، ومجمد في تطوير ذاته ، وبعيد كلّ البعد عن حالة التوازن الصحي بين العمل واستثمار أوقات الفراغ ، والتي هي أساس النجاح. كثيرًا ما يرافق الهاتف الخليوي مدمنه كظله لغرفة الطعام و العمل والسيارة  وللسريرمما يزيد من حالة الإدمان لديه؛فقبل أن يغمض عينيه للنوم يتفقد هاتفه، وأول ما يفعله بعد الإستيقاظ هو تفقد المستجدات فكأنه  في غرفة عمليات .
    ثمة ظنّ مزعوم  يتبناه المدمنون أساسه أنّ الوقت المطلوب للتفقد السريع للهاتف هو بضعة دقائق تكاد لا تذكر في بحر الحياة! وأنه لا ضير في استقاء لحظات سعيدة في هجير الواقع؛ من هنا يبدأ المدمن رحلته التي لا يدرك ضرورة العودة منها فينسى أو يتناسى الثمن الذي يدفعه من وقته وأعصابه وطاقاته يوميًا، ومدى التشتت الذي يعيشه لأنه يستقطع من وقته لتفقد الهاتف بعدد لا يشغل باله باحصائه؛ فكأنه يتنفس هواء الحياة الموازية التي يحبها ويحرص عليها وينسى أنّ ما يقدمه له هاتفه وشبكات التواصل الاجتماعي ليست كلها سعادة وطاقة إيجابية؛ فكم من المرات أحسَّ بالنقص وبالعجز أمام ما يراه من حياة افتراضية رُسمت بريشة مخادعة للواقع بمهارة فنان محترف بالصور المغربلة من سيل الحياة، ويقارنها بحياته التي يحس بأنها شبه خالية من ألوان الفرح؟ وكم من واجب أسري أو تواصل إيجابي أو مشاركة بمناسبة إجتماعية انتقص منها وسرق صفاءها وجماليتها بسبب تعلقه بهاتفه الذكي فعلاً في الاستحواذ على اهتمام الملايين من البشر مختلفي الثقافة ومتبايني الأهواء ومتعددي الجنسيات ومتفاوتي الأعمار...كم من الأمور الإيجابية والتي كان  من الممكن انجازها باستثمار الوقت عوضًا عن تبديده تحت سطوة سحر الشاشة الساحرة الآسرة ؟!
حل المشكلة .. الاعتراف بوجودها
ربما نصف الحل لأية مشكلة يكمن في الإعتراف بوجودها ؛فإن اعترف المدمن بإدمانه على الهواتف الذكية والتفكير بأنه يمكنه التخلص من الإدمان وتبعاته والتحلي بالإرادة والإصرار على فك القيود غير المرئية التي تكبل حياته، وتستنزف وقته وتعرقل انجازاته وتبطئ نموه الفكري والثقافي، وتؤثر سلبيًا في علاقاته الأسرية والاجتماعية وتسرقه دون أن يحس من عالمه الواقعي، وأنه يعيش حياة فيها إزدواجية وإنكار لحالة الفصام في مشاعره وأفكاره وأقواله وسلوكه. ربما يحتاج الفرد المعاصر لتعويد نفسه على فترة انقطاع عن التكنولوجيا،وتنفس الهواء النقي دون أسلاك أو ترددات الاتصال اللاسلكي يرقب الحياة عبر مشهد حر غير مؤطر بشاشة، وينظر لنفسه بعيون موضوعية ومحايدة دون الحاجة للعيون الكاذبة والمؤشرات المكذوبة في العالم الإفتراضي، ويهذب مشاعره دون أن تتحكم بها عوامل بعيدة عن واقعه آتية من عالم افتراضي لا يخضع لمنطق الصحة والخطأ ؛فكأنه الحقيقة المكذوبة التي نترك لأجلها الواقع الصادق وندعها  تؤثر فينا عاطفيًا وفق أمزجة وغايات  متداخلة بلا ضوابط وبلا ملامح؛ فهل المدمن قادر على الوصول لحالة الفطام -ولو مؤقتاً-عن التكنولوجيا ؟! وهل يحتاج لما يشغله ويملأ فراغه ويجدد طاقاته، وينشط تفاعله الإجتماعي، ويخلق قنوات تواصل من التفاعل الصحي واستمداد طاقة ايجابية من المحيطين القريبين المعروفين وليس من أصدقاء افتراضيين ؟ كم منا من يعي- على سبيل المثال- أهمية ممارسة الرياضة ودورها في الحفاظ على اللياقة البدنية والصحة الجسمية والنفسية ومع ذلك نتذرع بحجة عدم وجود الوقت لممارستها بانتظام؟ ولو حصرنا الوقت المهدور على الهواتف الذكية بعملية حسابية بسيطة لوجدنا أنّ ثمة وقت منهوب من حياتنا بتواطؤ منا وبإرادة تتسم بالضعف والتخاذل،  صحيح أنّ مشاركة الآخرين لحظات الفرح والحزن ومواقف الحياة أمر تميل له النفس البشرية لكن المبالغة ومحاولة تجميع الصور كأنها فسيفساء مكذوبة لصفحة الحياة أمر غير صحي.

   
الإسم
البريد الإلكتروني
نص التعليق